السيد محمد حسين الطهراني
91
معرفة المعاد
اخْتِصَامُ أصْحَابِكَ بِبَابِكَ . قَالَ : وَفِيمَ خُصُومَتُهُم ؟ قَالَ : فِيكَ وَفي الثَّلاثَة « 1 » الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ ؛ فَمِنْ مُفْرِطٍ مِنْهُمْ غَالٍ وَمُقْتَصِدٍ « 2 » قالٍ وَمِنْ مُتَرَدِّدٍ مُرْتَابٍ لَا يَدْرِي أيُقْدِمُ أمْ يُحْجِمُ . فَقَالَ : حَسْبُكَ يَا أخَا هَمْدَانَ ؛ ألَا إنّ خَيْرَ شِيعَتِي النَّمَطُ الأوْسَطُ ، إلَيْهِمْ يَرْجِعُ الْغَالِي وَبِهِمْ يَلْحَقُ التَّالِي . فَقَالَ لَهُ الْحَارِثُ : لَوْ كَشَفْتَ فِدَاكَ أبي وَامِّي الرَّيْنَ عَنْ قُلُوبِنَا وَجَعَلْتَنَا في ذَلِكَ على بَصِيرَةٍ مِنْ أمْرِنَا . قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : قَدْكَ « 3 » فَإنَّكَ امْرُءٌ مَلْبُوسٌ عَلَيْكَ ؛ إنّ دِينَ اللهِ لَا يُعْرَفُ بِالرِّجَالِ بَلْ بِآيَةِ الْحَقِّ . فَاعْرِفِ الْحَقَّ تَعْرِفْ أهْلَهُ . « 4 »
--> ( 1 ) - يقصد أبا بكر وعمر وعثمان . ( 2 ) - ورد في « أمالي الشيخ الطوسيّ » بنفس اللفظ ، أمّا في « بشارة المصطفى » فقد ورد بلفظ « مقتصد والٍ » ؛ وفي « كشف الغمّة » بلفظ « مُبغضٍ قالٍ » ؛ وفي « بحار الأنوار » نقلًا عن « مجالس المفيد » بلفظ « ومُقتَصِدٍ تالٍ » . ( 3 ) - ورد في جميع النسخ بلفظ « قدك » إلّا في « بشارة المصطفى » فقد جاء بلفظ « فذاك » . ( 4 ) - يقول في كتاب « سيرى در نهج البلاغة » ( تُرجم باسم : في ظِلال نهج البلاغة ) ما ترجمته : ينقل « طه حسين » الأديب والكاتب المصريّ الشهير المعاصر في كتاب « عليّ وبنوه » خبر الرجل الذي تردّد يوم الجَمَل في أمر عليّ عليه السلام ، فكان يقول في نفسه : كيف يمكن أن يكون مثل طلحة والزبير على خطأ ؟ ثمّ شكا شكّه ذلك إلى عليّ أمير المؤمنين عليه السلام وسأله منه : أيمكن أن تجتمع على باطل شخصيّات عظيمة لم يصدر منها خطأ قبلًا ؟ - فالتفت إليه عليّ عليه السلام وقال له : إنَّكَ لَمَلْبُوسٌ عَلَيْكَ . إنّ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ لَا يُعْرَفَانِ بِأقْدَارِ الرِّجَالِ . إعْرِفِ الْحَقَّ تَعْرِفْ أهْلَهُ . وَاعْرِفِ الْبَاطِلَ تَعْرِفْ أهْلَهُ . ثُم يقول ( طه حسين ) بعد نقله هذه الكلمات : ما أعرف جواباً أروع من هذا الجواب بعد أن سكت الوصيّ وانقطع خبر السماء . انتهى . وينبغي العلم إنّ مطلب الدكتور طه حسين الذي نقله المؤلّف المحترم لكتاب « سيرى در نهج البلاغة » ليس في شأن الحارث بن الأعور الهمدانيّ الذي نقلنا هنا تفصيل كلامه مع أمير المؤمنين عليه السلام ، بل يعود إلى الحارث بن حوت الذي كان يتحدّث مع أمير المؤمنين في شأن أصحاب الجمل . وقد أورد السيّد الرضيّ في « نهج البلاغة » ، باب الحِكَم ، ص 199 ، طبع مصر شرح محمّد عبده : وقيل إنّ الحارث بن حوت أتاه فقال : أتراني أظنُّ أصحاب الجمل كانوا على ضلالة ؟ فقال عليه السلام : يا حارث إنّك نظرتَ تحتك ولم تنظر فوقك فَحِرْتَ . إنّك لم تعرف الحقّ فتعرف أهله ، ولم تعرف الباطل فتعرف من أتاه ؛ فقال الحارث : فإنّي اعتزل مع سعيد بن مالك وعبد الله بن عمر ؛ فقال عليه السلام : إنّ سعيداً وعبد الله بن عمر لم ينصرا الحقّ ولم يخذلا الباطل . وينقل في « تفسير العيّاشيّ » ، ج 1 ، ص 136 رواية شيّقة في هذا الشأن عن الأصبغ بن نباتة ، ذيل الآية « تلك الرُّسل فَضَّلنا بعضهم على بعضٍ » : قال الأصبغ : كنتُ واقفاً مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام يوم الجمل ، فجاء رجل حتّى وقف بين يديه ، فقال : يا أمير المؤمنين كبّر القومُ وكبّرنا ، وهلّل القومُ وهلّلنا ، وصلّى القومُ وصلّينا ، فعلامَ نقاتلهم ؟ فقال : على هذه الآية : تلك الرسل فضّلنا بعضهم على منهم مَن كلّمَ اللهُ ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البيّنات وأيّدناه بروح القُدُس . ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم ( فنحنُ الذين مِن بعدهم ) مِن بعدِ ما جاءتهم البيّنات ولكن اختلفوا فمنهم مَن آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكنّ الله يفعل ما يريد . « فنحنُ الذين آمنّا وهم الذين كفروا » . فقال الرجل : كفر القومُ وربِّ الكعبة ثمّ حمل فقاتل حتّى قُتل رحمه الله . وهذه الآية هي الآية 253 من سورة البقرة فلاحظْ وتأمّلْ !